يوم العيد في غزة ليس مجرد مناسبة للفرح أو طقس ديني للاحتفال، بل تحول إلى لحظة تكشف عن عمق الفقد واتساع الألم الإنساني وغطرسة الاحتلال وخذلان العالم.
هنا في غزة، حيث تختلط أصوات التكبيرات بانفجارات القصف، وتستبدل ثياب العيد بالأكفان، وتتبدل ملامح الطفولة سريعًا تحت ضغط الحرب والنزوح والغياب.
هنا، حيث ترتبط القلوب بالبيت الحرام وموطن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لكنها تبقى أمنية بعيدة المنال، تكاد لا تصل حتى إلى حدود الحلم.
أما الطفولة في غزة، فلم تعد طفولة بالمعنى المعتاد، بل أصبحت شهادة حية على زمن يختبر فيه معنى الحياة نفسها؛ حيث يكبر الأطفال قبل أوانهم، ويجبرون على فهم الفقد قبل أن يدركوا معنى الطفولة، وتتحول تفاصيلهم الصغيرة إلى ندوب دامغة على واقع مثقل بما لا يرحم براءتهم.
حكايات لا تنتهي عن أكثر من 22 ألف طفل شهيد منذ بداية حرب الإبادة، في حين يراقب العالم من بعيد. بعضها يبدأ بمجرد أن تلمع الذاكرة، فتروي الألم كما هو دون حاجة إلى كلمات منمقة.
الطفلة منة… "كانت نائمة، وظلت نائمة إلى الأبد"، هكذا قالت عمتها وهي تقف فوق وجع لا يحتمل، وتكمل بحرقة: كانت قبل لحظات فقط تحلم بفستان جديد وبعيد يشبه ضحكتها الصغيرة، قبل أن يختطفها صاروخ الغدر ويكسوها كفنا أبيض بدل الفستان، وصمتا بدل الفرح، وغيابا لا عودة فيه.
لم تعرف منة من العالم سوى لعبة صغيرة وضحكة قصيرة ويد كانت تمتد نحو العيد، لكن العيد في غزة لم يكتمل هذه المرة، بل قصف قبل أن يبدأ، ودفنت ملامحه قبل أن تولد.
في غزة، العيد ليس عيدا، بل هو موعد آخر مع الغياب والركام وأسماء تضاف إلى قوائم الموت بدل قوائم الفرح، إذ تمتزج التكبيرات بأصوات الانفجارات، وتُضَرج ثياب العيد بالدماء، وتطوى أحلام الأطفال داخل حقائب النزوح.
هنا لا يسأل الطفل عن لعبة جديدة فقط، بل عن أم لا تعود، وأب لا يطرق الباب ليقبّل يديه ويمنحه العيديات، وعن بيت كان دافئا ثم صار أثرا. ليصبح السؤال الأبسط هو الأكثر قسوة: أين ذهب الجميع؟ وكيف اختفى كل شيء بهذه السرعة من ذاكرة طفل لم يكتمل بعد؟
في مشاهد تختصر قسوة اللحظة وارتباك الحياة نفسها، في حي الرمال بمدينة غزة، كانت طفلتان تسيران مع والدتهما، تتبضعان ملابس العيد بخطوات صغيرة مثقلة تحمل ما تبقى من فرح مؤجل، وفي لحظة واحدة انقلب كل شيء؛ ارتقت الأم شهيدة، وانطفأت الدنيا في أعين الطفلتين دون مقدمات.
وقفتا مذهولتين، غير قادرتين على استيعاب كيف يتحول الطريق فجأة إلى نهاية، وكيف ينتزع الأمان من حضن كان قبل لحظات هو العالم كله، ثم لحقتا بها إلى المشفى، حيث لم تستوعب إحداهما ما حدث، وظلت تصرخ بحرقة: "إلا هي… لا… إلا هي".
كانت ترفض الفكرة كلها، تحاول تأجيل الغياب، وتنكر أن أمها يمكن أن ترحل أو تتركها وحيدة في لحظة كهذه.
وفي مشهد آخر أكثر قسوة، يقف تميم… طفل لم يتجاوز الرابعة، لكن عمره صار أكبر من ذاكرة مثقلة بما لا يحتمل. لا يبكي كما يبكي الأطفال، بل يحدق بصمت طويل في الفراغ، كأن العالم كله فقد معناه دفعة واحدة.
في لحظات متقطعة، ينادي أسماء لا تأتي، يمد يديه نحو لا أحد، ثم يعود إلى صمته.
تميم، الذي كان يفترض أن يتعلم أبسط تفاصيل الطفولة، صار يتعلم الفقد قبل الكلمات، والغياب قبل الأمان. لا يسأل عن الألعاب كما يسأل الأطفال، بل يبحث في وجوه المشيعين عن وجوه لم تعد موجودة، يفتش في الهواء عن حياة سحبت منه دفعة واحدة.
وفي زاوية أخرى من المشهد، يطل الطفل محمد الخطيب، الذي لم يتجاوز الأربعين يوما من عمره، ليبدأ حياته بجرح لا يشبه البدايات.
تعرض لبتر في قدمه إثر استهدافه بصاروخين، بعد أن ارتقت والدته أمام عينيه في اللحظة ذاتها.
لم يعرف محمد من الدنيا سوى صوتها الأول ثم غيابها، وسيكبر وهو يحمل أثرا لا يمحى وغيابا أكبر من عمره، وذاكرة كتب فيها الألم قبل أن يتعلم الحبو أو النطق.
وفي مشهد لا يغادر الذاكرة، ينهار محمد فوق جثمان أبيه، ويصرخ بصوت مكسور: "لمين سبتنا يا بابا… والله بنحبك… لمين سبت أخوي هارون؟"
كلمات لا تشبه البكاء فقط، بل تشبه انكسار العالم في صدر طفل، يبحث عن يد لم تعد موجودة، وعن اسم صار من الماضي، عن أب ترك خلفه سؤالا أكبر من عمر الطفل الذي تركه.
أطفال يشيعون الجنائز، وآخرون هم الجنائز… أما العالم فهو منشغل ببطولاته الكروية وأزيائه وعروضه وأغانيه وأعياده، في حين تباد غزة بأطفالها، بحاضرها وماضيها وذكريات أعياد مضت، حين كان هناك أم وأب وبيوت تلملم أوجاعهم وذكرياتهم، قبل أن يتحول كل شيء إلى أثر تحت الركام.
هذه غزة… حين يتحول العيد إلى وداع، والطفولة إلى غياب، والحياة إلى سؤال بلا إجابة: لماذا تُركنا وحدنا؟
الله غالب.

